جمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية
P.D.W.S.A
الإثنين : 2019-03-25

آمنة أبو الكاس: من قبضة السجان داخل السجون الصهيونية إلى عنجهيته خارجها

2018-04-02
منة أبو الكاس من قبضة السجان داخل السجون الصهيونية إلى عنجهيته خارجها
قبثق

غزّة/ جمعية الدراسات

لم تنتهِ ذروة عذابها حال رؤيتها الشمس بكل خيوطها عندما خرجت آمنة من قبضة السجان داخل السجون الصهيونية، وذلك بعد احتلال 1967 لقطاع غزة آنذاك، إلى عنجهيته خارجها، كلها صور لمآسي إنسانية أبت دون إرادة أحد في توثيق تلك العذابات؛ ليشهد التاريخ حكايات صمود النسوة الفلسطينية منذ نكبة 48 حتى حرب 2014.

الأسيرة المحررة، آمنة أبو الكاس، ملأ رأسها الشيب الآن بعدما أكلت تلك الجدران في سجن غزة المركزي زهرة شبابها، لقطات لمشاهد جُمعت لتنحاز بها كل هذه الأحداث عبر شريط صور فوتوغرافية مروعة مازالت راسخة في روحها لحظة نجاتها بأعجوبة فجر ذلك اليوم من مجزرة الشجاعية.

فتقول أبو الكاس: "رائحة البارود والدمار والضياع والموت والركام وتحلل جثث الأطفال والنساء تنبعث في شوارع حي الشجاعية الذي كان بالماضي مكتظًا بالسكان، تلك الليلة الساخنة حتى ساعات الفجر الأولى التي لم نسمع مثلها ممن هجروا قسرًا من أراضينا في حرب 67 و48، الخوف والرعب من كثرة إطلاق القذائف من الدبابات المتمركزة على الحدود الشرقية أرهبتنا ودمرتنا، وجعلت حي الشجاعية منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معني .

 لبرهة تفقد الكلام وتهرول في الدقائق المعدودة لتأخذنا إلى تفاصيل الألم والصمود، حينما جسدت تلك المشاهد بكل وجع معبرة "الشارع الرئيسي مواجه لبيتنا لا يوجد به سوى أطفال؛ لكن لم يكن القصف بالقذائف فقط وإنما بالطائرات الحربية f16، كنا نسمع القصف وصراخ النساء والأطفال والأدخنة والركام، بقينا نصارع الخوف المحيط بنا والكل يناشد الصليب والهلال لكي يخرجنا لكن دون جدوى؛ لأن المكان لا يدخله أي من سيارات الإسعاف والدفاع المدني من كثرة إطلاق القذائف".

وتضيف: "قبل السحور بدقائق الذي شهد ذروة إطلاق عدة قذائف على حينا، وبعد بدقائق هرولت المدفعية بإطلاق القذائف علينا كالمطر، ما يزيد عن ثلاث قذائف في الدقيقة الواحدة، لم يستطع أحد الخروج من البيت، كانت الاتصالات ترد إلينا من جهة الاحتلال على كل من في البيت الخروج، وكانت قوات خاصة تطلق النار، أو بمعنى آخر تعطي إشارة للطائرة، وبعدها تنهال الطائرة على بيوت المواطنين بعدة صورايخ وقذائف".

"كنا نختبئ بغرفة واحدة رغم كثافة عددنا، بناتي وولدي الوحيد وأحفادي الأطفال، كل واحد منهم لا يتعدَ العشرة سنوات، لم نتمكن الهرب من البيت ونحن محاصرين فيه"، تردف " وعندما خرجنا تفاجأنا في منتصف الطريق والمدافع تطلق علينا، الصواريخ تسقط بالقرب منا ومن شدتها قد أضعنا حفيدتي، عمرها ما يقارب الثلاث سنوات، وقفنا حيارى، أين ذهبت؟! هل بقيت في المنزل لوحدها؟! أو ربما جاءت عليها إحدى القذائف وتقطعت إلى أشلاء؟! كاد التفكير أن يقتلنا "

قال لي ابني:" اذهبي أنتِ يا أمي وسوف أقوم بالعودة، وبأإن الله سأجدها، صرخت به لا والله لن تعود لوحدك كما هربنا جميعًا سنرجع جميعًا..." وعدنا ونحن نتفقد الأمل بأنفسنا، وكاد الموت يخطفنا؛ فالصواريخ تنهال علينا كزخات من المطر، وأيضًا المدافع تطلق على كل كائن يتحرك.

ومن فوق الجثث نركض ونختبئ هنا وهناك وننظر حولنا، علنا نجد ابنتنا التي فقدناها، هل سنراها جثة هامدة أم سنراها مصابة أم مقطعة أم ..؟!! كان الاحتمال الأضعف أن نجدها على قيد الحياة"، تستكمل " عندما وصلنا ما يقارب ثلاثة أمتار من منزلنا صرخ ابني قائلا: أمي ها هي إنها هناك واقفة".

نظرت إليها تصرخ وتبكى بين جثث وأشلاء مقطعه أمام أعيونها وهي في حالةٍ يرثى لها، لقد تبولت على نفسها جراء خوفها الشديد ولو تأخرنا قليلًا لوجدناها جثه كباقي الجثث من حولها، قمنا بخطفها كالبرق، وركضنا والناس من حولنا تركض على جثث الشهداء.

وكان سطح الشارع يكسوه الدماء، بيوت دمرت على رؤوس ساكنيها، سيارات وشاحنات وأشجار ومصانع ومحلات، حتى سيارات الإسعاف حرقت ودمرت بالكامل، شيء مفجع لم نصدق بأنه حي الشجاعية، كابوس بالفعل، حلم مزعج تعدى الواقع والحقيقة، صراخ وبكاء النساء والأطفال والشيوخ.

شعور مؤلم أن تضع أقدامك على جثث طاهرة، قد يفقدك توازنك النفسي والعقلي، في هذه اللحظات كنا نحاول أن ننفذ بجلدنا، كنا نركض ولا ندرى من أين أتت لنا القوة بأن نتابع السير وبقينا هكذا إلى أن وصلنا لمنطقة الرمال سير على الأقدام ."

بقينا علي هذا الحالة حتى وجدنا بيت أحد أقارب لنا، قمنا باللجوء عندهم لبضعه أيام ثمّ سمعنا أن المدارس فتحت أمام النازحين من المناطق الخطرة، قمنا باللجوء إلى إحدى المدارس من معاناة الشجاعية إلى معاناة أخرى، وهي المدارس، تنقلنا بأكثر من خمس مدارس وبقينا بملابس الصلاة دون تغيرها لأكثر من 20 يومًا، هذه رحلة اللجوء والنزوح استمرت معنا، حتى الآن نعاني من أمراض جلدية..

كنّا نقيم بالمدارس "صفوف الإيواء " دون أن نعرف أين نتجه، مازلت أشعر بنزاع وصراع داخلي، لحظات نقوم بالصراخ وأخري نلتزم التكبير وبين الصمت عيوننا التي ملأتها الويلات لواقعٍ غير واضح المعالم، نكاد أن ننفجر، حتى الآن نعانى من الاكتئاب والهلع جراء المشاهد التي رأيناها نحن وأطفالنا.