الأسيرة صابرين عبد الحافظ “عنفوان طفلة”

الأسيرة صابرين عبد الحافظ “عنفوان طفلة”

كانت ولا زالت تَحلُمْ بالحرّية.. بعيداً عنْ الحرّبْ والبُندقيّة.. فالحياة في نَظرُها بسماتُ فرح..ومُداعبة دميّة .
الأسيرة المحررة صابرين كيف لنا أن نتحدث عن أسيراتنا ولا نتطرق بالحديث عنها, “صابرين” المعنى من الصبر والصمود والتحدي”.
صابرين الطفلة
أربعة عشر ربيعاُ، فتاة لازالت تَحلّم، تلعب وتلهو لتبعث الفرح بكل مكان،عفوية ورقيقة، رَغم الاحتلال وانتهاكاته بحق الأطفال إلاّ أنها عايشت طفولتها.
بعيون مليئة بالحزن وبقايا أمل تتحدث صابرين عن قصتها التى لا تشبه حلمها التى رسمته فى مخيلتها الصغيرة ، أبت الا أن يعرف الجميع حكايتها المنسوجة بآهات كلفتها حياتها ثمن .
تبدأ بالحديث وكلها أندفاع تريد أن تسمع البشر ،كنت طوال فترة طفولتى وأنا أسمع جدتى وخالتى وأمى وأبى وكل من حولى يتحدثون عن جذورهم التى أقتلعت عنوة بأغتصاب أرضهم ووطنهم ،فعائلتى هجرت من يافا فى ال48 ومنذ ذلك اليوم وهم لا يعرفون طعم السعادة كنت أسمع حديثهم بصمت كانت أيامهم جميلة فى بيتهم الكبير ، الملتف بشجر اللوز والزيتون مساحته واسعة ولديهم مزرعة للحمام الابيض كانوا يحبون السلام لكن أبى لهم عدو الانام الاستقرار فتم نزعهم من أرضهم ، وتبددت أحلامهم وهاجر حمامهم ، وما بقى شئ الا أن يكتبوا ذكريلتهم أ, أو يغرسوها بنا نحن أبنائهم ومن بعدنا أحفادهم .
تقول صابرين كنت كل ليلة أجلس مع أسرتى وأشاهد التلفاز ولا يمر من أمام عينى سوي مشاهد التعذيب والتنكيل والحرمان لشعب فلسطين وكأنهم يريدون منى عيش الواقعة من جديد ،وكل يوم فى تمام الساعة السابعة مساءا يأتى موعد نشرة الأخبار فى قناة اسرائيل الاولى ليطلق الجميع سمعه بقوة لمتابعة آخر الاخبار ، فأضطر الى مراقبة الاخبار كما هم لانه ممنوع الحيث عند ذلك ، فمرت صورة لأشخاص مكبلة أيديهم ومعصبة أعينهم تجرهم مجموعة من جيش الاحتلال لإبعادهم من غزة الي لبنان وتحديدا (مرج الزهور)اثر ذلك المشهد كثيرا علي .
صمت قليلا وسالت والدى “ليش يابابا بيعملو هيك في الناس”رد والدها قائلا بحزن “هذا محتل وبدو ينزع منا أرضنا بالقوة “تنهدت صابرين بقوة ثم توجهت لغرفتها بعد أن أدركت أن الجميع منشغل عنى ، تأملت قليلا سقف غرفتى ثم وضعت رأسى علي وسادتى الصغيرة واحتضنت دميتى التي لا تفارقنى عند نومى وبدأت أحاول النوم
ولساعات حاولت فيها نزع ما رأيت فى التلفاز من مخيلتى لكن دون جدوى فالمنظر سيطر على تفكيرى والتصق بمخيلتى ، ومحاولة منى لنسيان ذلك أمسكت بأحدى المجلات التى كانت بجوار وسادتى لعل شئ آخر يشغلنى فأمسكت بمجلة البيدر السياسى التي تحرص الأسرة على اقتنائها في المنزل .
بدأت أقلب صفحات المجلة أريد شئ أن يجذبنى ، كانت عناوينها مختلفة .
شدنى عنوان مفاده “طفلة في القدس تحاول طعن جندي إسرائيلي” أصبت بالذهول لما قرأت فألقيت بالمجلة جانبا وأخذت أفكر بعمق وأقول “هل يمكن للأطفال الدفاع عن وطنهم ” فكرت وفكرت طويلا ثم غلبنى النعاس فنمت .
في الصباح الباكر من يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر 1992 صحوت من نومى ومشاعر جديدة تسيطر على شخصيتى قمت من فراشى بقوة وتوضأت وصليت الفجر بخشوع وهدوء لم يحدث لى من قبل وكل همى فعل شئ لا أعلمه بعد استيقظت العائلة من بعدى ليجدنى الجميع بكامل نشاطى الغير معتاد ،توجهت للمطبخ لمساعدة أمى فى تحضير وجبة الافطار فرأيت الكثير من السكاكين منها الصغير ومنها الكبير فخطر على بالى انها ممن أن تؤذى شخص أكرهه ،حددت لى سكين صغير ، أثناء ذلك طلبت منى والدتى أن أذهب لاضع الطعام على الطاولة فجلست وتناولت مع عائلتى طعام الافطار التى أعدته مع أمى . تناولت بعد اللقيما
، فذهبت بهدوء للمطبخ وأمسكت بالسكين ا لصغير وأخفته داخل قميصى بالقرب من يدى ،وخرجت مسرعة من البيت دون أن أخبر أحدا مقررة الانتقام لوطنى وتوجهت إلي ما كان يعرف بمقر الإدارة المدنية أو مقر الحاكم العسكري
الصهيونى بمنطقة رفح .
ودون أن أشعر بالخوف أو التردد و بكل جرأة اجتزت الحاجز العسكري دون أن يعترضنى احد ، التفت من حولى لا جد نفسى قريبة من احد الجنود المنتشرين في المكان ،وبخوف ممزوج بالجرأة أقتربت منه وأخرجت السكين لاطعنه فى قلبه لكن من شدة ارتباكى وقعت السكينة من يدى الصغيرة دون أن أحقق ما أريد.
فما كان منى إلا أن هربت محاولة إنقاذ نفسى، لكن قوة جندي مدرب ومدجج بالسلاح لا تعادل براءة طفلة تحاول الهرب بخوف ، فامسك بى علي الفور بعد أن القي بنفسه علي جسدى الصغير ليترك خدوشا علي مختلف جسدى .
لم يكتفي بذلك بل ضربنى بقوة ببندقيته على رأسى لاشعر بالدوار ، ثم حملونى وقيدوا يدى كما أرجلى وأغلقوا عيونى عن كل شئ جميل ليذهبوا بى الى الجيب العسكرى القريب من مكانهم وأثناء أنتقلنا للمكان الذى يردوننى به لم تتوقف ألسنتهم عن السب والشم بكلام لم أسمعه من قبل أو حتى لم أعرف معناه بعد .
كان أحدهم يشتم والاخر يسأل عن من حرضنى لذلك ,أنا كنت أقابل كل ذلك بصمت رهيب سيطر على جراء الضربة القوية التى أنهالت على رأسى بعدها توقف الجيب عن السير ليقف فى وسط ، لمكان لم أراه من قبل ، عرفت فيما بعد أنه سجن غزة المركزى الذى أعتقل به من قبل خالى وأفراد من عائلتى .
أدركت وقتها أن شئ ما سيدحث لى ، فطلبت من أحدهم أن يأتى لى بوالدى لاحدثه بما حصل .
فسخروا من طلبى وأسكتونى بالضراح على .
عند ذلك لم أتمالك نفسى فأخذت بالبكاء خوفا على مصيرى وبعد لحظات توجهوا بى من ممر طويل لغرفة ضيقة يجلس بها شخصان وكأنما كانا ينتظرنى أحدهم ذا بشرة سوداء وعيونه غائرة تحمل بنظراتها حقد أسود كلون بشرته واخر ذا بشرة بيضاء لكن عكر صفوها جروح قديمة تدل على أنه متخصص بافتراس البشر .
طلب منى أحدهم الجلوس على كرسى حديدى غير مريح ثم بادروا بوابل من الاسئلة التى لم أجب على أحدها لان لا جواب لدى لها .
لم يعجبهم ذلك ظنا منهم أننى اعلم كل شئ وعملونى على أننى ناضجة وليست طفلة .
بعدها تم نقلى بصحبة مجندة الى غرفة قذرة ومليئة بالحشرات ولا تصلح حتى لإيواء الحيوانات ، علمت فيما بعد أنها الزنزانة .
مضيت داخل هذه الغرفة ثلاث ساعات وأنا مذعورة مما أشاهده من حشرات غريبة لكن قوة بداخلى تدفعنى للصمت والصبر حتى جاء فيما بعد جندي ترتسم علي وجهه ملامح الظلم والعدوان ، امسك يدى بقوة وجرها لغرفة التحقيق مرة أخرى .
دخلت الغرفة لاجد المحقق ينتظرنى قال لى على الفور “أنت مخربة مش طفلة أنت لازم تعترفي مين يلى قال لك تطعني جندي إسرائيلي”ذهلت من قسوة المحقق الذي اخذ يصرخ بكل قوته ليرغمنى علي الاعتراف بما لدي ، لكن عناية الرحمن تدخلت حين ذلك ولم يكن منى إلا أن وقفت صامته وأجيب علي الأسئلة بطفولة وبراءة منقطعتا النظير .
ألتفت حولى لتدور أسئلة بعقلى لماذا أنا هنا؟ لماذا هؤلاء هنا؟ ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وهل سأعود لبيتنا ولغرفتي ودميتي؟
لكن صرخة المحقق أوقفتنى عن التفكير ، واستمر التحقيق معى طوال اليوم
شعرت بالتعب والإرهاق والقهر لسوء المعاملة وسماعى كلام بذئ .
فجأة طلب المحقق من الجندي إرجاعى للغرفة المظلمة مرة أخرى .
جلست بها لاستريح من شدة التعب فغلبنى النعاس ونمت وبعد ساعات من منتصف اليل ، إذ بأحدهم يطرق الباب برفق وينادي باسمى ” صابرين صابرين ” استيقظت بسرعة ظنا منى أنه احد أفراد عائلتى جاء لرؤيتى .
فتفأجات عند فتح الباب بذلك الرجل الذى أخذ يسألنى عن حالى وعن أسرتى الذى قال لى بأنه يعرفها جيدا وقال لى اسماء أفراد عائلتى جميعهم وكذلك أسماء جيراننا لكننى لم أراه من قبل على الاطلاق ولم أجبه على سؤال طرحه على لان والدتى فى صغرى عملتنى أن لا أستجيب لشخص لم أعرفه من قبل ولم أراه أيضا فأخبرته بنصيحة أمى الذى لم تعجبه عندما تغيرت ملامح وجهه لكن حاول التخفيف من غضبه فسألنى عن سبب وجودها بهذا المكان ليستدرجنى للحصول علي معلومات ورغم محاولته طمأنتى بقوله انه فلسطيني مثلى ويريد مساعدتى
فقلت له”أنا حكيت اللي عندي للمحقق وابعدوا عني وما بدي حدا يحكي معي”فنظر للجندي بغضب وقال له “هذه مش طفلة هذه كبيرة كثير”!! .
قالها وعيونه الحمراء المخيفة تثير فزعا ورعبا ،ولكن رغم خوفى تحملت كل ذلك لان قوة ما بداخلى تدفعنى لذلك .
تركنى الجندي مصطحبا العميل وأغلق الباب بقوة ليتركنى بجو الغرفة الذى لم أشاهد من قبل .
في ساعات الصباح الأولي لليوم التالي جاء الجندي وسحبنى لغرفة التحقيق ليبدأ المحقق الاسئلة من جديد من قال لك افعلي ذلك؟ وما اسم الشخص الذى حرضك على طعن الجندى ؟ وما اسم المجموعة التى تنتمى اليها ؟.
قلت له سأقول لك كل ما عندى عندما سمع المحقق ذلك طلب من جاره الهدوء والصمت ليسمعا اعترافاتى .
قلت له قرأت في مجلة أن فتاة من القدس اقتربت من جندى وطعنه فى بطنه انتقاما لوطنها و أرت أن أفعل مثلها انتقاما لوطنى ، فما كان منه الا أن أقترب منى وأمسك شعرى بقوة وسألنى عن اسم المجلة ومكانها ،قلت له في البيت اسمها”البيدر السياسي”فقال لى ” أنت تكذبين ” وببراءة قلت له ” اتركني أروح أجيبها إلك” وما كان من المحقق إلا أن طلب من احد الضباط اصطحابى للمنزل بدورية عسكرية عندما سمعت ذلك سعد كثيرا وشعرت بالفرحة ظنا منى أنهم سيأخذون المجلة ويطلقوا سراحى.
انطلق الجيب الذى يقلنى متوجها لبيتى كانت المسافة اليه كأنها سنوات كنت أترقب الطريق بلهفة وشوق شديدين لرؤية أسرتى ، وبمجرد وصولى للبيت أسرعت أجر خلفى أحد الجنود الذى يكبل يدى ، لعلى أشتم رائحة أمى أخذت أصرخ لاعلم الجميع بوجودى ففتح والدى الباب وأٍرع نحوى ظنا منه أنهم سيطلقوا سراحى .
قبلنى والدى وأسرعت نحوى والدتى التى لم أتمالك نفسى عندى رؤيتها فأنخرت مثلها بالبكاء لكن الجندى طلب منى التوجه واحضار المجلة ، فأسرعت به لغرفتى التى أشتقت حتى لجدرانها الاسمنتية أبعث عن دميتى وليس المجلة فلم أجدها ووجدت المجلة ، طلب منى الجندى أن أفتح على الصفحة التى قرأت بها الخبر وعلى الفور فتحت وقلت له “أقرأ لك ما قرأت ” أستفز ذلك الجندى فامسك شعرى بقوة واخذ يجرنى أمام مرأي والدى متوجها نحو الجيب مرة أخرى ،أخذ والدى يتوسل للضابط ليتركنى ليذهب هو بدل منى لكنه رفض وأصر علي اعتقالى . وسحبنى خارج المنزل أثناء ذلك لمحت دميتى على الطاو لة التى تتوسط بيتنا فأقتربت منها رغم بعد المسافة عنهاوأخذتها بحضنى لكن الجندى أنتزعها منى بقوة وألقى بها بعيدا صعدت للجيب وعيونى لم تفارق أمى التى أسرعت لتلتقط الدمية لتحتفظ بها لحين عودتى .
كان المشهد مؤلم جدا ولن أنساه يوما ، فوالدتى أخذت تصرخ بقوة لرؤيتها الجنود يسحبوننى بعنف .
اثر ذلك المشهد عليى كثيرا فكلما تذكرته بكيت بمرارة فنظرات والدى وصراخ أمى جرحتا قلبى الصغير .
وصلت بعد وقت من الالم والحزن الشديدين للتحقيق مرة أخرى فقلت للمحقق
“أنا مش مخربة”معتقدة بذلك أن التخريب إتلاف شئ ما لكن دون جدوى من أى شئ
تم ترحيلى لسجن المجدل “اشكلون”ورحلة عذاب نفسية جسدية بدأت أعانيها من جديد صابرين فالتحقيق والتعذيب لم ينتهي بعد .
في ليلتى الأولي داخل الزنزانة الجديدة لكن فى مكان آخر “لم تغمض لي عين لأنني فارقت دميتي وأهلي” وأصوات الصراخ تملئ المكان اثر تعذيب الشباب في الخارج .
كانت الزنزانة مجاورة لغرفة الضابط فيلقون منها بقايا القهوة والشاي والطعام التى تتساقط على من ذلك الشباك الصغير المطل من الزنزانة وكلما مروا من جوارى يلقون بوابل من الشتائم والسب الذي لم اعتاده
فلم يهون عليى كل ذلك إلا وجود احدي السجينات معى بالزنزانة .
كانت اكبر منى سنا وكانت لى المعين بعد الله .
تصبرنى وتحثنى علي الثبات والصمود من اجل الوطن .
وبالفعل اجتزت كل أنواع العذاب الجسدي والنفسي بصمود واضح ، وهذا كان ما يقهر سجانى .
ازدادت قوتى وصلابتى بوجود رفيقتى ، وبدا الحس الوطني يسري في جسدى كمجرى كالدم وأصبحت تحمل كل شي من اجل وطنى وأيمانى بعدالة قضيتى رغم أننى لا زالت طفلة .
كنت أسمع منها قصص وبطولات لاشخاص دفعوا أعمارهم من أجل الدفاع عن وطنهم وكانت تعلمنى أشياء كثيرا تدفنعى لاكون أكثر قوة وصمودها أثناء التحقيق وكذلك تحدثت اليها عن الاشياء التى تؤلمنى وعما حدث لى وحدثتنى عن عائلتها التىتحبها كثيرا ولكن حب الوطن فى قلبها كان أكبر ، فتعاهدنا على الصمود فى وجه الظعاة لاثبات أننا لا نخشى شئ وأننا نحن أصحاب قضية عادلة يضحى الجميع من أجلها ضعار أم كبار .
بعدها أخذت أتاقلم على وضعى الجديد داخل السجن .
ورحلت عنى حالة اليأس والخوف التى تسيطر على أوقاتا كثيرة ،كان يطلب من السجينات النزول إلي الساحة للاستراحة نصف ساعة فقط وبعدها يعلن عبر مكبر الصوت الصعود لغرفة السجن .
وذات يوم أردت ممارسة طفولتى فاختبأت وراء جدار في الممر القريب من الزنزانة ولم أذهب للغرفة فجاءت السجانة لتتفقد السجينات فوجدت صديقتى ولم تجدى وعلي الفور خرجت من الغرفة للبحث عنى معلنة حالة الطوارئ عبر صفارة انذار كانت تعتلى صدرها ، عندما وصلت السجانة الجدار الذي أختفي خلفه أخرجت رأسى وقلت لها ببراءة “بس بس” ففزعت السجانة من ذلك فأنطلقت ضحكاتى المرتفعة لتعانق السماء ، فما كان منها إلا أن ضربتنى بقوة علي وجهى فتألمت كثيرا وانخرطت بالبكاء .
استرجعت ذاكرتى وكأنها فقدتها للحظات ثم أدركت أننى داخل السجن فذهبت لغرفتى مسرعة لاضع رأسى بين جنبات الغرفة وأنهمرت بالبكاء .
وبعدين يومين تم محاكمتى وحكم على بالسجن لمدة سنة ، وكنت قد قضيت منها ثلاثة شهور كان وقع الخبر سئ جدا بالنسبة لى وشعرت بأن السنة وكأنها 100 عام وتم نقلى لغرفة السجينا مما هون الامر على وبدعم صديقاتى اللاتي لم يوفرن جهدا من اجل بث الأمان والاطمئنان لى و للجميع بعد عناء طال فى الزنزانة التى كانت بمثابة القبر بالنسبة لى .
قضت داخل السجن 8 شهور وبتدخل الوجهاء من الحى وبعد محاولات عديدة ودفع غرامة مقدراها 2000 شيكل تم إطلاق سراحى .
حيث كنت جالسة أتحدث مع احدى صديقتى و جاءت السجانة لتتفقدنا قبل أن تذهب للنوم فتحت باب الغرفة وتفقدت الجميع ثم نظرت الى قليلا ثم قالت ” انت غدا شحرور” أى خروج لم أتمالك نفسى فنهضت أرقص فرحا لما سمعت ، وأنهالت على صديقاتى بالتقبيل لتهنأنى بالافراج .
عندما رأت السجانة “مزر” ذلك المنظر تغيرت ملامح وجهها لتدل على تأثرها بما رأت لكنها على الفور غادرت المكان وتركتنا تحتفل بخبر الافراج .
سعدت كثيرا بالخبر وأخذت أفكر بردة فعل أسرتى عند اللقاء لكن صوت بكاء جذبنى وألتفت حولى لاجد الكل يبكى شوقا وحنينا للخروج للقاء أهلن وأزواجهن أو لرائحة الدار ، وفى الصبح جاء تنفيذ القرار فودعهن لاتجه بنظرى وقلبى للقاء الاحباب الذين استقبلونى بحفاوة كبيرة .
فالطفلة أصبحت فى نظرهم الشجاعة التى أصبحت في تحديتها وصمودها بطلة وتتحدى قوة الطغاة .
خرجت لاواجه العالم الأخر من جديد فلم يقدروا لى نضالى وثباتى رغم صغر سنى وقضاء أوقات مرت على كجحيم لا يطاق فصديقاتى لم يعد صديقات تخلين عنى لانى فى نظهن ونظر ذويهن “خريجة سجون ” وخوف من الاهل على بناتهن رفضوا لهن الذهاب لرؤيتى أوحتى الحيث معى فى أى مكان كان ذلك بالنسبة لى أصعب مما كان يمارسه بحقى السجان ، لم يعدوا يثقوا بى خوفا من اعتقال بناتهم مثلما تم أعتقالى.
عشت أياما صعبة فلم أعد أستطع التحمل وتركت المدرسة وفضلت البقاء بغرفتى وعدم الخروج ، والدى اللذان لم يسرهم حالى قرروا ارسالى للأردن لاعيش مع أسرة أخي فكانوا لى بمثابة كل الأهل والأصدقاء وكل شئ بحياتى .
رغم ذلك كله قلبى كان يزال معلق بأرضى ووطنى ورغم كل شي إلا أن الأمل بالعودة للوطن كان لا يغادر مخيلتى.
وبعد سنوات من الغربة والألم تقرر المخابرات الأردنية ترحيل كل فلسطينى لا يملك إقامة داخل الأردن وخلال 24 ساعة من ذلك القرار تم ترحيلى لقطاع غزة كانت فرحتى عارمة لاننى سألتقى بعائلتى من جديد .
عدت لارض للوطن بشخصية جديدة وكلفنى ذلك من عمرى سنوات كثيرة واندمجت بمجتمعى من جديد وأعلمت الجميع أننى الفتاة التى تستطع تحمل كل شئ لاجل العيش بسلام وأمان وخلال فترة قصيرة ولان العمر يمر كأنه لحظات تقدم لخطبتى احد أقاربى الذى تخلى عن زوجته لاسباب ما فوافقت لان لديه طفل تريد كما من الحنان .
فتم زواجى وأحتضت محمد وعاملته بكل حب كما والده وضحيت من أجله بسنوات أخرى من عمرى .
وسأبقى لهما ا لوفية حتى الرمق الاخير من أنفاسى .
تعيش صابرين الآن حياة جميلة مع زوجها ، تنتظر المنة من الله ليرزقها بمولود يملئ عليها الحياة فرحا وسعادة

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.