مذكرات أسيرة / مازال في مذكرتي

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:11 صباحًا
مذكرات أسيرة / مازال في مذكرتي

10423721_385992811595075_754265317094271052_n (1)
سأكتب رغم أنني اشعر بشيء ما يتمزق بداخلي.. قد لا اقوي على الكتابة كما كنت في عنفوان شبابي… ولكن رغم دقات قلبي المتسارعة ورغم أملي ورغم جرحي المكبل.. سأكتب ليسمع ويقرأ العالم بأسره.. قصة حرماني وعذاباتي فالسجن رغم قسوته ترك لي روح للعيش من جديد فهيهات للذل أن ينال منا فنحن شعب لا يقهر وأصحاب حق لا ينكر فنحن أصحاب الجذور وهم من موطنهم القبور.

فلنبدأ ……..الحكاية
لطالما تمنيت أن اقضي إجازتي في ذلك العام بهدوء واطمئنان ولكن…نحن شعب كتب عليه الكفاح لأجل طرد عدوه السفاح.
فبعد انتهاء العام الدراسي بدأت الإجازة الصيفية واتفقت مع صديقاتي بنات الحي على اللعب وتخيط العرائس من القماش البالي للهو بها فنحن حرمنا مما يتمتع به أطفال العالم من لعب ولهو في جو مليء بالسعادة والفرح نعم مازلت طفلة لم تترفع بعد للصف الأول الإعدادي ففي يوم الإجازة الأول ودعت صديقاتي وبدأ اليوم الثاني فأمسكت مقص أمي الخياطة لأصنع عروسة لنفسي ولكن إذ لصوت أبي يرتفع بالصراخ ويقول ( يا أم عوني يا أم عوني الحرب قامت وأنا طالع أجيب البنت من عند دار سيدها لأني خايف عليها ) جاء بها وإذ بأهالي الحي يتوافدون لبيتنا الكبير ذو المساحة الواسعة فالرجال تجمعوا في غرفة والنساء والأطفال في الغرفة المجاورة وأثناء وجودنا في الغرفة طلبت من والدتي شربة ماء فخرجت بالقرب من ساحة المنزل لأملأ القدح بالماء وإذ بطائرة سوداء اللون وحجمها كبير جداً تقترب من المكان فصرخت بقوة وذهلت لما رأيته فأسرع أبي وضمني بين كتفيه وأغمض عيني ببدلته وذهب بي لأمي وعلى الفور سألتها برجفة ما هذه يا أمي قالت إنها طائرات العدو تحلق في غزة وكانت هذه أول مرة أرى فيها طائرة وبعدها أخذت الطائرة بإلقاء القذائف بعشوائية على المواطنين في كل الاتجاهات واختلط صوتها بصوت المذياع الذي بدأ كالشعاع يشع فالأمل في الروح أنه صوت الأناشيد الوطنية تعلو في المكان ذلك كان سبباً في عدم تمالك الناس لدموعها وانخرط الجميع بالبكاء.

وبعدها بيومين دخل الجيش الإسرائيلي كامل القطاع وأصبحنا محتلين من قبل الجيش الإسرائيلي وبدأت الأحداث تتوالى.
ففي إحدى الأيام ذهب جدي للصلاة في المسجد وعند عودته تأخر قليلاً ثم طرق الباب فأسرعت فاتحة له ففوجئت بمنظر جدي العاري لجسده وقلت له على خجل ( ليش يا سيدي عامل هيك ) قال لي بصوت شجي وحزين ( دخلو اليهود بلادنا يا سيدي) واخذ يبكي بمرارة شديدة وبكى الجميع لحال جدي فأسرعت لأمي مستغربة وقلت لها ( ليش الرجال بتبكي يا أمي هم اليهود قرود) قالت لي ( أكثر من قرود) فذهبت متخفية وتسللت للطابق العلوي لألقى نظرة على الشارع لعلي أرى قروداً وإذا بالقرود بشراً مثلنا..

أصبحت مجمل الأحداث السابقة لا تفارق خيالي وحاولت التفكير باللعب مع بنات الحي ولكن سرعان ما ينعكس لعبي لقوة وغضب فلم يعد اللعب متنفس لخيالي وإنما نريد شيئاً ما.

ولكن ما لبثت أن نظرت وإذ برصاصة احد القرود كانت أسرع إلي فقد أطلق علي الرصاص وسلمني المولى عز وجل فالرصاصة خرقت زجاج الشباك وهرع الجميع ليطمئن علي فبحثت هنا وهناك عن مجموعة لتضمني معها وأشارك وطني همه الأكبر فلن أكون جزءاً منه إلا إذا دافعت وقاومت من اجله فمرت الأيام الطوال والاحتلال يمارس ضدنا أبشع الممارسات وأساليب التعذيب والكل يستغيث وما من مجيب قتل المصريون الذين كانو في غزة بأبشع الصورة التي لا تزال في مخيلتي قتلوا الناس والأطفال والشيوخ دون رحمة هدموا البيوت قلعو الأشجار ، لم يسلم منهم حجر ولا شجر .. احتلت البلاد واختبأ المصريون في منزلنا حتى تمكنا من إخراجهم عن طريق لسيناء في مصر، ومرة أخرى جاءت الطائرة الهيلوكبتر السوداء وكانت منخفضة الارتفاع حتى أنني شعرت أنها ستضرب حائط المنزل وبقينا في المنزل فترة طويلة حتى نفذ من عندنا الطعام وكل الموجود في المنزل فأخذ الجيران المتواجدين في منزلنا الكبير يتحركون بخوف شديد ليحضروا من منازلهم ولو بالشيء البسيط الذي يسد به الأطفال رمقهم خشدة الجوع جعلت أصواتهم مرتفعة وانينهم في ازدياد فما كان من أمي ذات القلب الحاني إلا أن دقت بقايا كسرات الخبز الملقاة على الأرض وما تبقى من بقوليات ووضعها في قدر صغير على الغاز وبدأت تطبخها فا سألتها عن ما هذه الطبخة يا أمي قالت لي ( مزقلمية) أو سميها كما تشائين، رغم أنني لم اقتنع بطبخها إلا أن طعمها كان مذاقه لذيذاً جداً فالجوع كان شديد ولا بديل عن ذلك.
سمع أخي انه لا يوجد عندنا ما نأكله فتسلل بهدوء نحو الباب حتى فتحه وخرج من المنزل فسمع أبي باب يغلق فأدرك حينها أن أخي خرج إلي الشارع ، قبض عليه جنود الاحتلال عندما رأوه يخرج من المنزل وطلبوا منه التوجه إلي الساحة ( مكان كان يجمع به الرجال) فذهب من شارع فرعي أخر ووصل منه لمنزل جدي وهناك وجد عمتي وأخبرها أنه لا طعام عندنا ، فحملت الخبز والطعام فوق رأسها وجاءت مع أخي بطريق ملتوية وعندما دق الباب أسرع أبي وفتح الباب فلما رأى أخي حضنه بشدة وأخذ الجميع يبكي لتقبيل أبي لأخي فكان المشهد صعب ، وبعد فترة لا اذكرها سمعنا ميكرفون جيش الاحتلال يقول بصوت مرتفع ( يسمح بالخروج لمدة ساعة فقط ) كان هذا أول يوم نخرج فيه فذهب الجيران لتفقد أقاربهم وبيوتهم فلم نشاهد يومها إلا أشلاء في كل مكان والبيوت مهدمة والدمار والخراب سيد المكان، حزنت جداً لما رأيته في ذاك اليوم وبعثت في نفسي اليأس والحزن والانتقام فأم حاتم لم يبقى لها شجرة عنب أقطف منها حبات العنب الأسود في الصباح وارض أبو حاتم التي كان يلعب بها الأطفال الحي أصبحت مدمرة ومليئة بالأشلاء من يومها لم اعد اذهب للعب في ذلك المكان ، حزنت طفولتي لما أل عليها المكان فالجميع متحسر لما رآه والكل يضرب يديه كلما تفقد عزيز أو حبيب.
وأصبحت حياتنا على هذا المنوال………
كل هذه الأحداث بقيت في ذاكرتي ما حدث للجميع كان على مرأى من عيني وبعدها مرت الأيام والشهور وبدأ العام الدراسي الثاني والناس أصبحت متداولة بإرسال أبنائهم للمدارس خوفاً عليهن من جنود الاحتلال ومن ثم بدأت البنات بالذهاب للمدرسة وطلب المدرسين منا أن نبلغ بنات الجيران جمعين بالذهاب للمدرسة وأنه لا خوف عليهن فالعلم سيكون هو السلاح لمواجهة العدو الغاشم فبدا الجميع يذهب للمدرسة وذهبت للمدرسة لأتلقى العلم وبدأت أكبر وأصبحت في الصف الثالث الإعدادي وهنا أصبحت أرى الأحداث بعين جديدة عين النضال والمقاومة فكنت أشارك في المظاهرات والمسيرات وتوزيع المناشير في المدارس ونقل السلاح من مكان لآخر التي كنت أتلقاها من احد أقاربنا المقاومين ومن هنا بدأت قصة النضال الحقيقة لي حيث بدأ الحديث عن التنظيم والجبهة الشعبية وقوات التحرير وبدأت الطالبات تطلب مني الانضمام ضمن صفوف التنظيم منه شاعر الوطنية وحب للمقاومة عن ارضي دفعتني إلي الانضمام لتنظيم للمساعدة فيما يطلب مني وفعلاً تم ذلك وبدأ يطلب مني توزيع المناشير في المدارس والبيوت والشوارع وهنا اعتقلت نهلة البايض وكانت أول أسيرة فلسطينية تغلق عليها أبواب السجن في قطاع غزة وبدأت الانتفاضة انتفاضة ل 97 حيث خرجت غزة بأكملها لإخراج نهلة من السجن فخرجت نهلة بتوقيع من حوشي ديان نفسه فذهبت مع زميلاتي لأهنئها بسلامة العودة لأهلها فبعدها حدثتني نفسي وقلت ماذا سأفعل لو كنت مكان نهلة في السجن وهل سيقبل أهلي بذلك رجعت للمنزل وقلت لأمي (سأكبر بسرعة وسأدافع عن فلسطين بكل ما أملك وسأخرج اليهود من وطني)ضحكت أمي وقالت لوالدي ( أسمع يا أبو عوني بنتك بدها تخرج اليهود من فلسطين مش بس من غزة ) ضحك وقال ( يا الله اكبري) فرحت كثيراً عندما قال والدي ذلك .
ومن هنا علم والدي أنني سأشارك في النضال ولكن كيف وإلي أين احدنا لا يعلم ذلك.
انتقلت للمدرسة الثانوية وزميلاتي الأكبر مني سناً طلبوا مني المساعدة لا سمعوه عني من الفتيات الأخريات وموجبه تم اشتراكي باجتماع معهم وفعلاً ذهبت حيث ترأسنا أحد الزملاء وحدتنا عن المقاومة والنضال وكيفية مواجهة العدو وأساليب للمشاركة في توزيع المناشير والمشاركة في المظاهرات ونقل السلاح للفدائيين وغيرها من النشاطات المصاحبة لتلك المرحلة ، انتهى الاجتماع الأول ولم أحدث أحداً بذلك اللقاء ولا حتى أمي حيث أخبرتهم أنني سأذهب لزميلتي لكتابة الواجبات المدرسية ، دارت الأيام وحدثت عملية تفجير بجيب عسكري صهيوني وقتل جميعهم وذلك بفعل إحدى الفتيات التي قامت بإلقاء قنبلة على الجيب ، عكست هذه العملية الأعين على فتيات المدرسة وحركاتها ، أحد الأيام جمعنا احد الزملاء وأوضح لنا أنه تم القبض على بعض الفتيات التي كن يشاركن معنا بعض الالتزامات الوطنية وفصل لنا كيفية الاعتقال وأساليب التعذيب وزاوعة العدو للنساء حتى يدلين بالاعتراف فأصبح لدي معلومات عن كيفية الاعتقال وكيفية التعامل مع الأسيرة وأساليب التعذيب البشعة التي يقوم بها جيش الاحتلال المتغطرس ، وبعد شهر كامل كنت لا اخرج للمدرسة ولا ألتقي بأحد من الزميلات والزملاء الذين كنت أشاركهم الهم الوطني.
إلا انه في ليلة شتائية باردة والجو عاصف وكنت قد عقدت على أن أواصل مسيرتي بعد ظني انه لم يتم اعتقالي ولكن سلطات الاحتلال الغاشم كانت قد أصرت على إجهاض العمل الوطني وتأبى أن يبقى أحدنا خارج الزنازين فسرعان ما طوق الجيش الإسرائيلي منزلنا واخذ يطرق الباب بقوة ويقول ( أفتح جيش … أفتح جيش) فأسرع جدي وفتح الباب وانتشر الجنود في كل مكان وعاثوا فساداً بكل محتوياته ، فجاء الضابط المسئول وعيناه مليئة بالحقد وقال لوالدي عد أولادك، فعدهم والدي ثم قال له عد بناتك فأختلف وجه والدي وساده الغضب والخوف وأخذ يعد أخواتي ولم يذكر اسمي فقال له الضابط على الفور لم تذكر اسم إنعام لأنك تعلم أنها فدائية مخربة قال والدي ( بنتي ما عملت شيء.. طول اليوم عندي ومن المدرسة للبيت ) قال له الضابط ( أصلك نايم .. بنتك مخربة) فلم يدعوني أبدل ملابسي وقد سحبوني من البيت بقوة وأنا بالبجاحة وقلبي يرتجف خوفاً ليس على نفسي أنما على أبي الذي جاءه خبر اعتقالي كالصاعقة حيث كان اعتقال الفتاة الفلسطينية حتى عرفنا القديم شيء ليس بالهين ، ومن ثم ألحقت أمي بي الجاكيت الطويل كي البسه ، وكان وقع الحدث على والدي كالصاعقة واخذ يضرب رأسه بيديه ويقول راحت بنتي راحت بنت، وعند خروجي من المنزل فوجئت بماراتيه من قوات الجيش الكبيرة والدبابات والجيبات العسكرية .. ظننتهم أنهم عثروا على كمين ما ثم أدخلوني في سيارة بيضاء اللون وفوجئت أيضاً بزميلة لي في السيارة فسألني احدهم هل تعرفينها قلت على الفور لا عمري ما شفتها ، غمضوا عيوننا بغطاء اسود اللون ورائحته نتنة حتى وصلنا إلي سجن غزة المركزي ودون أن نرى شيئاً بدأت الأبواب تفتح وتقفل ونحن نعد واحد اثنان حتى وصلنا إلي باب رقم 13.

هناك استقبلتنا مجذرة فجردتنا من ثيابنا لتلبسنا الماريول الأزرق الذي اقترن بتفكيري بلون العذاب والمهانة وبدأت اشعر بالقلق والتوتر، وبالفعل توجهت مكبلة يداي وساقي إلي مكان صغير ومظلم لا معنى للحياة فيه ، سطل صغير اسود اللون وطاقة ضيقة قد ينبعث منها الأمل يوماً ما وجدران متقابلة كأنها تصافح بعضها، تركت في ذلك المكان وحيدة أسيرة أنها الزنزانة بيت الأسيرة التي فرض عليها رغماً أنها رمز للعناء والشقاء ،أكرهها فكم عانيت بجنباتها الويلات لم أتجاوز العقد الثاني من عمري ، في ربيع عمري وعنفوان شبابي وما هز مشاعري هو وجود صحن صغير لونه بني مقزز يوضع به شيء قليل من الماء وكسرة خبز صغيرة لتأكل الأسيرة ، تذكرت حينها وعيني ملأتها الدموع قطتي الصغيرة التي لطالما أكرمتها حيث كانت تأكل في صحن جميل وطعامها نظيف ..فهيهات هيهات لجلاد أصر على نزع وطننا وحقنا في الدفاع عن أرضنا.

ولكن بعد ذلك نقلنا للتحقيق حيث مارست ضدنا أبشع الأساليب والممارسات ، تعرضت للسب والشتم والكلام البذيء والسيئ وللضرب المبرح والمؤلم ، ولكنني أصريت على موقفي ولم أعترف بشيء ما ، لدرجة أن دمي بدأ ينزل من أنفي وفمي لكن لم أتنازل عن موقفي فكلما ضربت زدت اصراراً على موقفي وبدأ شريط حياتي يمر عبر مخيلتي لأتذكر أي ذنب اقترفت لأكون في هذا المكان البشع ، ولكن لحظات ودق جرس ، صوته مرتفع وسمعنا الجنود يتكلمون العبرية فيما معناه أنهم يريدونا للتحقيق ونزلت الشاويشة وفحت الباب وأخذتنا إلي زنزانة التحقيق صعدنا على سلالم ملتوية وطويلة وضيقة كلما رفعت رأسي التقي ضربة فأمسك الدرج بيدي فتضرب يدي حتى وصلت إلي مكان ضوءه خافت أنها الزنزانة الجديدة ولكن مختلفة عن الأولى بها طاولة صغيرة و كرسيين ولا تزيد مساحتها عن متر ونصف يجلس على الطاولة شيمون المحقق والكرسي عليه مجذرة وجلست على الكرسي الآخر فقال شيمون ذو الصوت الخشن واليد الحديدية.

وما زلت مصرة على موقفي فأمر وقتها الضابط بإرجاعي للزنزانة وحرماني من الطعام فلم يقدم إلا القليل من الماء فلم أبالي بذلك ومرت الأيام والتعذيب والضرب و الاهانة تمارس ضدي ويوماً لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء الشديد لأنني اشتقت لصدر أمي الحنون ولصوت أبي الجهور ولعروستي الجميلة التي ما زالت على فراشي وحيدة ،فكم تمنيت أن أرى أمي ولو للحظات لأن قلبي يبكي لفراقها فالشوق يذبحني أريد أن أرى البيت وجدتي وجدي العنيد.. وفراشي …فراشي الدافئ وملابسي الجميلة كل ذلك كان يحزنني كثيراً ولكن بقيت أنتظر بصيص أمل ما…..
ومرت الأيام و الأسابيع ولم أعلم شيئاً عن أهلي إلي أن جاءت أحدى المجندات ذات يوم ونظرت لي بقوة وقالت ( غدا في إلك زيارة أنعام وذهبت) فلم يسعني المكان من شدة فرحتي وبقيت أنتظر الصباح وأعد الدقائق والثواني حتى تقشع نور الفجر الأول توضأت وصليت الفجر ودعيت لربي أن أرى أهلي في هذا اليوم رغم ذلك الفرح راودني شعور بالخوف والفزع خوفاً من تأنيب والدي ومحاسبته لي على ما فعلت وخوفاً عليه عندما يرى يدي المكبلة على صدري بفعل التعذيب المستمر فيدي كانت مكسورة و تألمني كثيراً وقدماي لا أستطيع المشي عليها كالمعتاد وكدمات في وجهي واضحة لا استطيع إخفائها ورغم ذلك أشعرت نفسي بالسعادة لأنني سأرى أحداً من أهلي بعد غياب طويل.

حان وقت الزيارة فسحبتني الشاويشة ونزلت بي على سلالم ضيقة ثم إلي مكان الزيارة المخصص بدأت انظر بلهفة هنا وهناك فإذا بوالدي ينتظرني رأيته من وراء الأسلاك الشائكة التي كانت حاجزاً بيننا ولكني تمعنت النظر به جيداً ونادتيه ( كيف حالك يا بابا ) فأجهشت بالبكاء كما والدي ثم لامس بيده الكبيرتان إطراف أصابعي عبر الأسلاك التي طالما منعتني من حضن أهلي كانت هناك سيدة اسمها أم عدنان بجواري تزور أهلها فعندما رأت والدي يبكي قالت له ( ليش بتبكي يا حج والله إنعام بطلة وتحملت اللي ما بتحملوا رجال صبرت على التعذيب والحرمان والضغط ما شاء الله عنها والله عرفت تربي يا أبو عوني ) فتبسم والدي بحزن وقال ( هيه وعدتني ترجع فلسطين كلها مش غزة وبس ) ثم سألني ( مال يدك يا بابا يا إنعام معلقة بصدرك ) وقد صدف أثناء ذلك مرور المحقق شيمعون حيث كان يدور في الصالة للمراقبة فأشرت بيدي عليه وقلت ( هدا يا بابا اللي كسرها) فما كان من والدي إلا صفع شيمعون على وجهه وبدأ يضرب رأسه بالحائط من شدة غضبه وفي لحظات اجتمعت قوات الجيش وامسكوا بوالدي وطرحوه أرضاً وذهب شميعون برفقتهم وقالوا ( لن نسمح لك بالزيارة في المرة القادمة) ثم أكملت الحديث مع والدي ومن لهفتي على والدتي خشيت السؤال عنها وشعرت أنها مريضة ولكن والدي قال لي ( أمك بتسلم عليكي يا إنعام وهي كثير مشتاقة إلك لكن ما قدرت تيجي علشان ولدت امبارح ) ففرحت بالمولود ولكني بكيت لعدم رؤيتي لأمي وعدم مشاهدتي لأخي الصغير ثم ودعني والدي قائلاً بألم ( شدي حيلك يا با وخليكي قوية) ثم ترك المكان وكأن شيء ينزع من قلبي فجاءت الشاويشة وسحبتني مرة أخرى عبر السلالم الضيقة وبعدها بدأت الزيارات للأهل من وقت لأخر وتعرفت على الزميلات في السجن وكن نشارك بعضنا الهموم والأحزان حيث كنا نتعرض للتعذيب اليومي فكانوا السجانين يمنعوننا من النوم بشكل متواصل أثناء الليل فبمجرد النوم لساعات يتم إيقاظنا من النوم والتحقيق معنا وفي الشتاء القارص لا يأمنوا لنا الغطاء الكافي الذي يحمي جسدي الصغير من البرد فكنت العب الرياضة مع زميلاتي ليبقى جسمي دافئ وأصبر وأتحمل ونجتمع مع الزميلات ونردد الأناشيد الوطنية ونهتف بشعارات تندد بالاحتلال وشعارات تذكرنا بالوطن بصوت موحد ومرتفع فتأتي الشاويشة وتقول لنا (مافي فلسطين مافي وطن هذا بلد إسرائيل وبس) فردت إحدانا قائلة لها ( إحنا الأصل والجذور شردونا من حيفا ويافا وعكا والمجدل أما أنتم لا أصل ولا هوية وما اجيتونا إلا بالسفن البريطانية ) ففتحت باب السجن وأمسكت بالأسيرة من شعرها وسحبتها للزنزانة الانفرادية لأن كلمها كان قاسياً بالنسبة لها وسمعنا صوت زميلتنا وهي تعذب فهتفنا وصرخنا بصوت جهور ( نحن أصحاب قضية وانتم لا مكان لكم ولا هوية ) وبدأت الأيام و الأحداث تتوالي وأنا ما زلت أنتظر ذلك اليوم الموعود يوم تحرري من قيد سجانيني فالستة شهور أوشكت على الانتهاء ولكنني تفاجأت بالتجديد مرة أخرى لمدة ستة شهور أخرى فأنتابني شعور باليأس والحزن الشديد بعدها خروجنا إلي القورة أو الجنينة ( ساحة واسعة للسجينات) لمدة ( نصف ساعة) فهذه القورة كانت عبارة عن قطعة أرض صغيرة مملوءة بالأحجار المهدومة لأنها مكان بناء مجرف فكل شيء مجرف فكل شيء هناك كان دليل على عروبتنا فالبيوت عربية والأرض فلسطينية وهم ما جاءوا إلا بطريقة عنجهية كنا نجلس بهذه الأرض للراحة أو في ممر الزيارة الطويل الذي لا يزيد عرضه على المتر واحد وكنا نحرم الخروج في الهواء الطلق والاستمتاع بمنظر السماء الخلاب لأنهم يعلمون إن ذلك سيريح أعصابنا ويهدأ لنا أنفسنا لذلك كانوا يلزمونا بالزنزانة أو مكان مظلم لنشعر بالضيق والتوتر لسرعة الاعتراف لهم وكانت زيارات الأهل تطول.. وتطول..
جاء في ذلك اليوم أحدهم يبلغني بالتجديد بطريقة مستفزة فقال لي ( إنعام مافي خروج والدود حيا كلك في السجن وترك المكان ضاحكاً بصوت مرتفع ) وعادت بي السجانة إلي الزنزانة من مكان القورة ، وقلت لها تجدد لي 6 شهور إضافية فقالت ( هنالك افراجات في شهر رمضان يمكن أنت واحد منهم ) وقتها شعرت بفرح شديد فهي كانت تعلم ما يدور بكواليسهم فبقيت انتظر شهر رمضان بفارغ الصبر والأمل فجاء شهر رمضان ولم تغفى لي عين أثناء الليل وأنا أفكر بالخروج استيقظت للسحور في اليوم الأول وجهزت طعام السحور بعد أن أيقظت جميع زميلاتي حيث كان السحور عبارة عن شاي ولبنة ورغيف خبز لكل 4 بنات ثم صلينا الفجر في جماعة ودعونا الله كثيراً أن يفرج همنا وفي مساء اليوم الثاني قبل تناول طعام الفطار جاءت الشاويشة قالت أين إنعام قلت لها على الفور أنا قالت (أنت شخرور) يعني خروج فرحت كثيراً وبكيت أكثر على زميلاتي لأن همنا كان واحد ولكن عندما وجدتني سعيدة بهذا الخبر نظرت إلي وقالت _ ما تفرح إنعام أنا بكذب عليكي مافي شخرور) ولكنني أيقنت أنها تريد إفساد فرحتي وبعدها ضرب المدفع للإفطار ومن شدة فرحتي لم أتناول الطعام وبقيت انشد مع زميلاتي النشيد الوطني ونصفق ونهلل فرحاً ، بعدها ذهبنا للنوم فلم استطع النوم ولو دقيقة وكنت احدث نفسي هل الافراج يسكون غداً أم لا خاصة وأنه تم تجديد سجني لمدة 6 شهور أخرى

ما أصعب الانتظار وما أصعب لحظة الإفراج تشتت ذهني وأعصابي ارتجفت طوال الليل فما أن أشرقت شمس الصباح حتى جهزوا لي ملابس الخروج وجاءت بهما مجندة وقالت إنعام الآن شخرور فلبست ملابسي الشتوية في الثاني من رمضان في شهر 11/1971 ونزلت إلي المردوان ثم إلي ساحة السجن لأجد الرجال يصطفون في طوابير ربما للتجديد وربما للخروج ثم التقيت بالمحامي فتحي عكيلة وقلت له سأخرج من السجن بعد ساعات و تفاجأت بذلك لأنه يعلم أنه تجدد لي 6 شهور إضافية وسرعان ما ذهب ليبلغ أهلي بنبأ خروجي من السجن عن طريق التلفون، أحسست وقتها بالفرح الشديد لأن أهلي هم من سيستقبلونني على باب السجن فأخذت دموعي تنهمر كأنها سيل غير منقطع وقلبي يرتجف فرحاً وإذ بالشاويشة تتوجه بي إلي باب السجن للخروج فخرجت لألتقي بوجه أبي مباشرة فضمني بقوة إلي صدره وأخذ الجميع بالبكاء والنحيب ثم سلمت على أخوتي وعانقتهم طويلا ثم انطلقت بنا السيارة لبيتنا الكبير وأثناء سيرنا تحدثت مع والدي عن أمي وبيتنا فشوقي كبير للأهل والجيران والصديقات وكل شيء في موطني نزلت من السيارة فإذا بأمي وخالتي وجاراتنا تستقبلني بالزغاريد والورود والحلويات وحضنتني أمي الحضن الذي حرمت منه كثيراً وقتها شعرت بالحرية و أنني بين أحضان أمي فأخذت تقبلني بقوة لفرحها الشديد وشوقها الكبير وبدأ الجميع يتوافد لبيتنا للتهنئة بسلامة العودة وبدأت موائد الغذاء و العزايم عند الأحباب والأصحاب ومضى شهر رمضان بفرحة وسعادة وجاء العيد وكان أهلي جميعهم سعداء لأنني حررت وجمعني بهم على خير أردت بعدها أكمال دراستي الثانوية فتوجهت إلي وزارة التربية والتعليم وسمحت لي بالإكمال ولكن لم يحالفني الحظ بالنجاح لأني ظروف السجن كانت تشل ذاكرتي وكنت أفكر بها طوال الوقت فهذا كان سبباً لرسوبي في هذه السنة.
ظنيت بعدها أنني تخلصت من قيود الاعتقال ولكن تفاجأت بقيود المجتمع الذي لم يقدر لي تضحيتي ولا حتى معاناتي التي سببت لي وضعاً نفسياً ما زلت أعانيه حتى يومنا هذا.
بدأت مشاكل بعد الاعتقال حينما كان يأتي الخطاب لأبي لخطبتي وعندما يعلم احدهم أنني كنت أسيرة لم يعد لبيتنا مرة أخرى وكأنني فعلت شيئاً مشين ويشمئز منه الجميع حيث تقدم الكثير لخطبتي فأنا كنت شابة جميلة ولا ينقصني شيئاً لأكون زوجة أحدهم ولكن لا يعلمون أنني أملك وسام شرف لا يشترى بجاه ولا مال ، رفض الجميع خطبتي وأصاب أبي نوع من الاكتئاب والضيق خاصة وان عمري بلغ 23 عاماً وآنذاك كان الزواج في سن مبكر من 13-15 سنة فعزم أبي على عدم مصارحة من يتقدم لخطبتي بحقيقة سجني فتقدم احدهم ولم يعرف أنني كنت أسيرة لأن أبي لم يخبره بذلك ظننا منه انه سيسعدني بعدما فات سن زواجي ولم يعلم انه دمر حياتي بمجرد موافقته على هذا الزواج الذي كان مكملاً لأسري فلا يظن احدهم أن السجن وحده مكان للأسر وإنما كانت حياتي كلها عبارة عن سجن كبير انتقل منه من مكان إلي أخر ، تقدم زوجي السابق لخطبتي دون العلم باعتقالي وتمت الخطبة فزوجي بعد زواجي سيستقر بي بالسعودية لذلك كان والدي مصر على عدم إخباره بذلك سافر الخطيب إلي السعودية وبدأ أهل خطيبي يطلبون مني الذهاب لبيتهم للتعرف عليهم وفي يوم من الأيام سألتني حماتي عن الأسيرة عايدة سعد قلت لها على الفور دون تفكير طبعاً اعرفها جيداً قالت حماتي بصوت منزعج إن والدت عايدة تقول انك كنت معتقلة مع ابنتها في سجن الرملة ، لم استطع أن اكذب في ذلك الموقف فقلت لها ودموعي تنهمر وقلبي يتمزق حزناً نعم كنت معها في السجن تفاجأت حماتي بردي وتركتني على مائدة الطعام وذهبت لغرفتها مع بناتها ولم تعبرني وبقيت وحدي جالسة انتظر مجيء والدي في المساء فلم يكن لديهم تلفون حتى أخبر والدي بالمجيء لأخذي من ذلك الموقف العصيب ، جاء والدي في المساء فتركت منزلهم دون أن يودعني احد وهذا غير معتاد فكانت حماتي عندما يأتي والدي لأخذي من بيتهم تقبلني وتحملني هدايا لأهلي وتطلب مني المجيء في المرة المقبلة ، كانت هذه المرة الأمور مختلفة شعرت بالأسى الشديد لعدم تقبلهم لهذه الحقيقة المشرفة فأنا أسيرت لأنني أدافع ليس عن وطني وحدي أنه وطنهم جميعاً تعرضت للعذاب والذل والإهانة وصمدت من اجل الوطن كان كل ذلك أهون علي من ذلك الموقف لكنني تركت بيتهم وتوجهت إلي أبي المتواجد في السيارة ينتظرني وأثناء سيرنا للمنزل قلت لوالدي ما حدث بالضبط فرجع والدي إليهم وقال لهم إن ابنتي لم تكن مسجونة في سجن غزة المركزي وإنما سجن المدينة لمدة 3 أيام فقط وذلك بسبب اعتقال أخيها وهي لم تعرف احد هناك وإنما تسمع بهن لكن لا أعلم لماذا فعل أبي ذلك وفي نفس اللحظة لا استطيع تكذيب والدي لأنني كنت أخافه كثيراً وعندما وصلنا إلي منزلنا عاتبت امي والدي لما حصل منه متحامية بوالدتي الحنونة فقال لي : ( أنت راح تسافري على السعودية مع زوجك و ما في حدا راح يعرف شيء والقطر عدو فاتك وأنا بدي أسترك يا با ) صمت بحزن شديد وذهبت لغرفتي انتظر ماذا سيحصل فيما بعد فأنا متأكدة أن شيء كهذا أساسه كذب لن يستمر طويلاً ولأنني مضيت فترة ليست بالهينة في السجن وعذابي وتضحيتي لا أستطيع إغفالها عن شريك حياتي ، بقيت أفكر كثيراً في ذلك ولم أعد أذهب لبيت حماتي خوفاً من قول الحقيقة لهم فأنا لا أحب أن أعيش في وهم وكذب وكنت أبكي طوال الوقت على نفسي وعلى ظروفي التي أمر بها وكأنني بسجن مرة أخرى.
ومضى الوقت وجاء الخطيب من السعودية لإتمام الزواج ولكنه كان آت لإنهاء هذا الزواج بعد أن علم هناك من احد الأقارب عند السؤال عني أنني كنت معتقلة وعندما اخبرني بذلك قلت له لعله يكون تشابه أسماء وبالفعل مشي الموضوع كما أراد له الله أن يكون وكل ذلك رغماً عني وعندما حدث خطيبي والدته بما حدث قالت له أنها لم تكن معتقلة وإنما ذهبت للمقابلة فقط و …. انني اعتقلت لأيام لأنها خافت من فشل الزواج خاصة وإنهم دفعوا لنا المهر ولكنني أرسلت له كي أتحدث معه في الموضوع وأصارحه بذلك لكنه كان مشغول ولم يأتي إلا يوم والزفاف وسألني ماذا أريد قلت له فات الوقت ولم يعد لي كلام واخذ الجميع بالاحتفال بزواجي والكل سعيد ولكنني بيني وبين نفسي اشعر بالغضب وغاية التعاسة فحريتي سلبت بأسرى وها هو حقي في الزواج والحياة بأمان يسلب مرة أخرى وما خفي أعظم.
لم أملك يوما ما حقاً من حقوقي التي حرمت منها ودفعت شبابي ثمناً لكرامة وطني ولم ينتهي السيناريو بعد
فبعد انتهاء مراسم الزواج سألته لماذا كان يريد فسخ عقد القرآن قال لي علمت انك كنت معتقلة ولكن يبدو انه تشابه أسماء فقلت له بحرارة ( افترض انه اللي طلعت معتقلة أنا شو بصير يعني ارتكبت جريمة) قال لي راداً بغضب ( أكثر من جريمة و إذا كنتي أنتي أمك بره روحي معها) فنظرت إليه بخوف وهلع وقلت له ( ياه أكويس انه مش أنا هي المحبوسة المجرمة في نظرك) حيث لا مجال في ذلك الوقت للمصارحة بالحقيقة لأنني أصبحت في بيته وزوجته ولو رجعت لبيت أهلي ستكون كارثة لأهلي وسيتفوهون الناس بأشياء كثيرة لذلك عزمت على اخفاء الحقيقة كاملة في ذلك اليوم لكي تستمر الحياة التي أبت ذلك مكثت معه أسبوع في غزة ثم سافرنا للأردن لتبدأ المشاكل من جديد حيث ذهبنا للسفارة الفلسطينية لعمل الأوراق والإجراءات للسفر للسعودية فالأوراق جهزت لنا في يوم واحد فقط وذلك لأن الجميع يعرف أنني كنت أسيرة فتمت معاملتي بسهولة وهو لا يعلم ذلك ولكن كانت المفاجأة بالأستاذ عبد الله أبو زعيتر سفير فلسطين حالياً حيث تعرف علي على الفور وسألني عن غزة وعن المقاومة وعن المجاهدين في غزة فقلت له ( أنا ما بعرفكاش ولا عمري شفتك قبل هيك ) تفاجأ الرجل بذلك وطلب من زوجي الذهاب لأخذ الجوازات من الشباك المقابل وتركني في المكان فعلى الفور شرحت لعبد الله المسألة وطلبت منه الاعتذار من زوجي حتى أكمل حياتي واستقر معه بأمان وعندما رجع زوجي قال له عبد الله اعتقدت أنها سيدة اعرفها ولكنني اعتذر لك جداً لما حدث مني وختمنا الأوراق وخرجنا من السفارة ولكن زوجي ارتابه الشك ولم يصدق ما حدث فقلت له ( إذا كنت شاكك بهيك بدي ارجع لغزة وكل واحد من طريق قبل ما يصير عنا أطفال)

فتوجهت لخالتي التي تسكن بالأردن وقصصت لها ما حدث واتصلت بأهلي وأخبرتهم أيضاً بالموضوع وفي اليوم التالي جاء أخي وأختي للأردن لأن أختي كانت تريد تقديم طلب للوظيفة فالبعثات كانت في تلك الأيام تذهب للأردن فقط وقلت لهم ما الجزاء الذي ارتكبته ليحدث لي كل ذلك وبعدها تدخلت خالتي وأخي في الموضوع وعالجنا جميعاً الموقف وبعد أسبوع ذهبنا للسعودية وبدأت الحكاية تمشي بشيء من الهدوء والسعادة والاحترام فكنت مطيعة لزوجي وأكن له كل احترام وهو كذلك ولكن ما كان يعكر صفوة حياتنا هو فترة الاعتقال ثم حضرت والدته للأردن للزيارة سافر لمقابلتها في الأردن وكانت تحمل لي جواباً من أهلي وعلمت من خلاله أن خالي جمال يريد خطبة أخت زوجي ولكن أمي رفضت ذلك حتى لا يكون زواج بدل وخوفاً من المشاكل فحزنت أخته لما حدث لأنها كانت بالأردن مع أمها وخالي أيضا كان بالأردن ولكن لم يكن هناك نصيب فحماتي لم تهمت حيال ذلك فصارحت زوجي بأنني أنا كنت معتقلة بعد تأكدها من أحد الأشخاص ، كل ذلك كان في الأردن وأنا ما زلت في السعودية انتظر عودة زوجي لأعلم ما يحدث ، رجع زوجي وطلب مني تجهيز نفسي للسفر لغزة لألد مولودي الأول هناك فأنا كنت حامل وفي شهري الأخير وكذلك لكي أحضر فرح خالي ولم أعلم بما يدور أبداً ، فرحت كثيراً لذلك خاصة وأنني كنت مشتاقة لرؤية أهلي ورؤية بلدي غزة فعدت إلي الأردن ثم إلي غزة وبعد 21 يوم تمت الولادة و أنجبت طفلاً جميلاً سميته رامي رغبة لطلب والده وفرحت كثيراً وتأملت بأن يكون هو الذي سيجعل طريقناً مضيئاً وسيجعلني مع والده في سعادة ورجاء وسنتجاوز به كل المراحل الصعبة التي مررنا بها ، وبقيت انتظر مجيء زوجي الذي قال لي انه سيأتي على الأربعين من مولود رامي فطلبت مني حماتي وقتها الذهاب لبيت أهلي والمكوث عندهم لأنها تريد أن تسافر للأردن لتستقبل أبو رامي هناك وتأتي معه ، وبالفعل ذهبت لبيت أهلي والسعادة والفرح يغمرني ولم أفكر بلحظة أن هناك شيئاً ما سيحدث ، ذهبت لأهلي وأخبرتهم أن زوجي سيأتي لرؤيتي ورؤية رامي ولكنني تفاجأت في اليوم الثاني عندما جاء الشيخ هاشم الخزندار لوالدي وسلمه رسالة من طرف زوجي فأسرعت لوالدي وطلبت منه فتح الرسالة فوجدها ورقة طلاقي فتغير وجه أبي وأصابه ذهول غريب وقال لي بهدوء قاتل هذه ورقة طلاقك يا إنعام ، كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي ولم أتمالك نفسي وعلى الفور أغمى علي وصرخت أمي ببكاء شديد عندما حدث لي ما حدث وعندما أفقت على نفسي واستجمت قوى أخذت رامي في حضني واستمريت بالبكاء لأيام أناجي ربي أن يفرج كربي ويذيل همي وبالفعل تم طلاقي وابني لم يبلغ الأربعين يوماً فأردت الاهتمام به لأنه لا ذنب له بشيء فكنت اعتني به جيداً فهو ما أملك في هذه الدنيا فذات يوم مسكت بحبة حلو لأجعل ابني يتذوق الحلو لأول مرة وكان عمره 45 يوماً فوجدت له سنين أبيضين جميلين شعرت بالفرح وبأن ربي أكرمني بهذا الولد الجميل الذي لم ينسى يوماً أنني أنجبته واعتنيت به في شدة مرضي وعنائي وبعدها بسنة تقدم ابن خالي لخطبتي فهو كان يعلم كل ظروفي جيداً وأنه لا ذنب لي بكل ما حدث فتزوجنا وأخذت رامي لبيت زوجي وكان يعامله معاملة حسنة وكان رامي يناديه ( يا بابا ) وأصبحت أعيش مرتاحة بعد عناء طويل فزوجي كان حريص على إسعادي ويشاركني فرحي وحزني وكل شيء في حياتي فبدأت اشعر بالارتياح والسعادة والهناء فزوج محب وابن جميل وأنجبت طفلة من زوجي كانت في غاية الروعة والجمال ولكنها في عمرها الثاني عشر وقعت من فوق سور المنزل وتوفت على الفور فرجع الحزن يلازمني من جديد وأيقنت أنني سأبقى أسيرة كل شيء في حياتي وبعد لم ينتهي حزني لوفاة ابنتي التي كانت مثل الوردة في البستان وبينما كان رامي يذهب لجدته أم والده التي تخلى عنا ليزورها كل أسبوعين لتطمئن عليه ولأنني لا أريد حرمانها منه فكان ينام عندها ليلة أو اثنتين وذات يوم ذهب رامي وبقى ثلاثة أيام ولم يعد فخفت أن يكون حدث له شيئاً.
فذهبت على الفور لبيت جدته وبدأت أطرق الباب فلم يخرج أحد فطرقت بقوة فخرجت جارة لهم وقالت ( مافي أحد هان الحجة سافرت هي وابن ابنها اليوم الصبح) على أبنها بالسعودية ، فلم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء وأوقفت سيارة كالمجنونة وذهبت لزوجي وقلت له ما حدث ولكن فات الوقت حيث وصل رامي للسعودية وبقيت أبكي على فراقه طوال الليل فأنا أم ومشاعري أنكرت علي بما فعلوه به وحرموني من حضن ابني.
وكبر رامي عند والده الذي تزوج بأخرى وكان يناديها رامي ب (ماما) حيث كان والده حريص على عدم إخبار رامي بأنه له أم في غزة وبأن زوجة أبيه هي أمه الحقيقة ولكن تشاء الأقدار ويريد الله ما لا يريد والدو ، أن يأتي يوماً ما وفي فصل الشتاء ذهبت زوجة الأب لتغطي الأولاد الصغار جيداً خوفاً عليهم من البرد وكان رامي يتوسطهم فأثناء تغطيتها لرامي قالت ظانة أنه نائم ( الله يجمع شملك بأمك بغزة يا رامي) وذهبت لغرفتها فأخذ رامي من وقتها بالبحث عن والدته وذهبت لجيرانه وأخبرهم أن يصارحوه بالحقيقة فقالوا له أن أمك بغزة وما حدث بالضبط وعرف أنه لا يمكنه الذهاب لغزة إلا عندما يبلغ السادسة عشر من عمره وبقى رامي من عمر 13 سنة حتى 16 سنة وهو يفكر بأمه وعندما بلغ أول يوم في سنه 16 سنة كان يقدم الاختبارات في المدرسة فطلب من والده الذهاب لغزة لرؤية والدته التي أنكرها والده ولكن خوفاً على مستقبله طلب منه أن يكمل الامتحان فرفض رامي ذلك إلا إذا تعهد الوالد بإرساله لوالدته بغزة وفعلاً جهز له الأوراق وعندما انتهى من الاختبارات ذهب لغزة لرؤية قرة عينه وكان هناك اللقاء.
حيث بقيت في المنزل انتظر الصباح لرؤية البني الذي بلغ 16 من عمره بعيداً عني ولم أنم طوال وأسرتي كذلك بكيت طوال الليل وأتذكر حياتي منذ أن تزوجت وكأنه شريط يمر من أمامي وعندما جاء موعد اللقاء لم أعد احتمل حيث ذهب خاله وأختي للعبور للمجيء به فأعتقد أنه خالته هي أنا فأخذ يقبلها بشدة ولكن أخي قال له أن أمك في البيت تعد لك الحلويات والغذاء وتزين لك المنزل لاستقبالك وجاءوا لي برامي وبمجرد أن رأيته للمرة الأولى صعقت جداً وشعرت أنني ارتفع عن الأرض ومن شدة فرحه بي بالفعل أخذني بحضنه الدافئ بعيداً عن الأرض و استمريت في تقبيله وحضنه ما يقارب النصف ساعة فلم أصدق أن رامي بين أحضاني وبعدها جاء الجميع ليهنئوني بمجيء رامي وجمع شملنا مرة أخرى وبالفعل جمع الله شملي بولدي الغالي وجلس فترة الإجازة في غزة معي وبعدها ذهب لإكمال دراسته وأصبح مهندس وزوجته في غزة وأنجب طفلاً جميلاً كما كان جميلاً وكان على الدوام يقول لي جملة جميلة جداً يشعرني بالفخر والاعتزاز دوماً( يا أمي يا أعز ما أملك يشرفني أنك أمي ويشرفني أنك كنت معتقلة دفاعاً عن كرامة الوطن الذي عجز الرجال عن التضحية من أجله ).
واستمرت الحياة حيث أنجبت ثلاثة أولاد وثلاث بنات توفيت البنت الأولى وكذلك استشهد ابني الأخر ورجع الحزن يلازمني وما أن بلغ لوفاة ابني أربعين يوماً حتى توفى زوجي حزناً على ولده وهكذا الحياة
سجل مليء بالأحزان والآهات
بقيت أسيرة لكل حياتي لم تقدر لي تضحيتي ولا رحلة عذابي ولكن بالقلب غصة وبالعين دمعة وبالحياة لوعة وبالممات ذكرى
فأتمنى أن يكون صبري طريق لنجاتي عند المولى عز وجل فالإنسان إنسان والله خير المستعان.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.