الأسيرة المحررة آمال الحلبي: من أجلك يا وطن….

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:09 صباحًا
الأسيرة المحررة آمال الحلبي: من أجلك يا وطن….

10423721_385992811595075_754265317094271052_n (1)
لفرحتي اغتصبت… ولأرضي سلبت… ولبسمتي سرقت… ولحريتي قيدت …. ولأمومتي أجهضت…. وفي عشقي لوطني ظلمت …. ولأرث والدي النضالي اعتقلت… وفي سجن غزة المركزي عذبت… وللعزل الانفرادي خضعت…
فلقضيتي…. ولأرضي…. ولهويتي … ولوطني عشقت… وها أنا مازلت ..

كم تمنيت أن أمشي على جراحي لأنها لا تزال تكبلني فموت والدي المؤلم وتضحيات أسرتي تكسر خاطري دوماً فأنا نشأت في أسرة تعشق النضال وقدمت كل أفرادها فداءاً للوطن ، فوالدي الشهيد عمر الحلبي والذي لا يخفى عن الجميع نضاله الطويل توفى مسموماً من قبل سجان عن طريق حقنه أعطيت له على أنها مسكن ألم حيث عمل والدي كأحد أبرز قادة العمل الثوري وكان واهباً روحه للوطن وللقضية الفلسطينية ، فبعد أن قدم التضحيات الجسام في عمله إلا أن حقد العدو الغاشم وإصراره على إجهاض الحق الفلسطيني والعيش بسلام لم يهدأ له بال حتى تم القبض عليه وهو على رأس عمله الميداني وبالفعل قبض على والدي وسحبوه مكبل اليدين والقدمين ومعصوب العينين دون رحمة أو شفقة.
وكان ذلك بالنسبة لأسرتي وكأنه زلزال احتوى المكان حيث اهتزت مشاعر كل من سمع بنبأ اعتقال والدي لأنه كان رجل شجاع ومقدم ويحب الجميع كما هم يحبونه ويبادر بكل ما هو مفيد لمصلحة الوطن والناس ، اعتقل والدي فكان وقع الحدث صادماً بالنسبة لي فعزمت على إكمال مشوار والدي لخدمة رفاقي المناضلين فبدأت أكتب المناشير على الكربون وأوزعها في المدارس والحارات والشوارع وكل مكان وكذلك أساعد المطاردين في تنقلاتهم وأحمل لهم الأسلحة لأي مكان يطلب مني وأشارك في المسيرات المنددة بالاحتلال وأحرض طالبات المدرسة ضد ممارسات العدو المحتل ، فم أمل أبداً وكذلك أخواني وأخواتي في البيت الكل انطلق لنفس الطريق فهذه وصية والدي الذي تركها أمانة في أعناقنا فالعمل الفدائي كان بالنسبة لنا شيء أساسي ولا فرق في النضال بين الشاب والبنت فهذا وطن واحد من ناحية وننتظر خروج والدنا من ناحية أخرى والذي كان صعب ومستحيل لأن حكمه كان لسنوات طويلة ، ومع مرور الوقت تم الإفراج عن والدي فذهل الجميع من ذلك ، ولكن فرحتنا بخروج الوالد جعلتنا نتغاضى عن سبب خروجه الذي لم نبلغ به من قبل فعمت الفرحة في بيتنا الكبير وجاء الجميع للتهنئة والمباركة وكنا سعداء جداً لذلك فالكل من حولنا يعلم من هو عمر الحلبي وما هو تاريخه المشرف ، لذلك تقدم أحد المهنئين لخطبتي من والدي ولأخلاق ذلك الرجل ولثقته والدي الكبيرة به تمت الموافقة على طلب الزواج ، ولكن تفاجئنا في اليوم التالي بوضع والدي الصحي الذي أصبح بين ليلة وضحاها صعب وحرج فعلى الفور نقل للمستشفى وبعد عرضه على الطبيب تأكد أن والدي لن يقضى أكثر من أيام وبالأحرى ساعات لأن دمه كان مسمم كلياً بعد أن تعرض لإبرة من جندي إسرائيلي قبل خروجه بيومين بحجة أنها مسكن ألم ، فنقل والدي وصيته لأخي الأكبر بأن يتم زواجي من ذلك الشاب في أسرع وقت وقد حدد والدي أمور الزواج في أخر دقائق معدودة قبل وفاته وبعدها أستشهد والدي مسمماً على سرير مستشفى الشفاء بغزة ، فكانت مصيبتنا جلل وفراق الوالد الذي كان لي بمثابة الأخ والرفيق وكل شيء جميل في حياتي كارثة لي ، فأصبحت منذ ذلك اليوم حزينة وحاقدة على هذا العدو المتغطرس ، فما كان مني إلا أن أكملت مسيرتي النضالية وبكل اندفاع وقوة أصحبت أساعد الفدائيين في أعمال كثيرة حيث في أحدى المرات حملت قطعتين من السلاح والرصاص ومررت من جانب جندي إسرائيلي وكلي شموخ وكبرياء ولم أشعر بالخوف للحظة ومن بعدها أصبح يعتمد علي بشكل كبير في نقل القنابل والسلاح من مكان لأخر ، وزادت نشاطاتي في كل مكان وهذا جعل الجيش الإسرائيلي يبدأ بملاحقتي ومراقبتي ولخوف أخي علي بعد وفاة والدي ب 10 شهور تم زواجي من ذلك الشاب وكنت متفقه مع زوجي وكشرط أساسي أكمال مشواري النضالي فتقبل ذلك بصدر رحب وشجعني على ذلك ، فتمت مراسم الزفاف دون مراسم توحي بالفرحة لأن الجرح ما زال مفتوحاً لوفاة والدي الغالي ، ولكنني كنت أستشعر الفرحة لأن ذلك الشاب تقبلني كما أريد وانتقلت لبيت زوجي فمكثت عنده شهر ونصف دون أن أذهب لبيت أهلي خوفاً من اعتقالي ولكن كما هو معروف في العرف ( يجب على العروس أن تفرد على أهلها) ( تفرد: أي تذهب لزيارة أهلها وتحمل لهم الهدايا) فتوجهت في الصباح لبيت أهلي وكلي شوق لكل من في البيت فطرقت الباب ففتحت لي أختي وقبلتني وأخذت دموعها تنهمر كالسيل فقلت لها على الفور ما بك قالت : لقد جاءك للتو بلاغ رسمي من سلطات الاحتلال بضرورة الحضور لمركز الشرطة وإلا سيتم ملاحقتي والقبض علي من أي مكان سأذهب إليه ، ففكرت جيداً وأدركت أنني إذا لم أذهب للمركز سيتعرض أهلي وأخوتي وزوجي للملاحقة وكثير من الأمور التي أخاف أن يقوم بها جيش الاحتلال ضدهم ، فقررت الذهاب والاستفسار عن سبب التبليغ فأصرت أختي الذهاب معي وبالفعل توجهنا للمركز الكائن بالشجاعية فما أن وصلت إلي المركز وتم ذكر اسمي للضابط حتى تم القبض علي مع أختي أيضاً وذلك بتاريخ 1/5/1973م ومن ذلك المركز على الفور تم تسليمي للمجلس التشريعي ومن ثم للضابط أبو سالم في المخابرات الإسرائيلية الذي كان مصراً على ضرورة القبض علي وتم التوجه بي إلي سجن غزة المركزي وما أدراك ما سجن غزة المركزي فبمجرد وصولي جاء المحقق وبدأ يسألني عن إلي أين تنقلين السلاح؟؟ وأين يختبئ المخربين ؟؟ ومن نظمك وماذا كنت تفعلين؟ وغيرها من الأسئلة التي لم أجب على أحدها فما كان منه إلي أن ركلني ركلة قوية بوجهي وسحبني إلي مكان ضيق وصغير ومظلم وتركني وأغلق علي الباب حيث لا ضوء ولا كهرباء ولا حتى شيء يسمع بالحياة وتركني وكلي ألم في ذلك المكان أنها الزنزانة التي لا تتجاوز المترين ولا يوجد بها غطاء حيث كان الجو بارداً جداً ودون حمام أو ماء ، لم يهمني شيئاً في ذلك الوقت إلا زوجي الذي كان أجمل شيء في حياتي فهو نعم الزوج ونعم الرفيق فهو من جعلني أشعر بالحب والحنان وجعلني أكثر قوة وأمل ، فبكيت كثيراً على فراقه الصعب فقد كان حنوناً ومحباً لي جداً ، تركته ولم أعلم ماذا يحصل وبقيت أفكر طوال الليل ماذا سيحدث لوالدتي أثناء اعتقالي وكم ستدوم المدة وغيرها من التساؤلات!!! فقضيت الليل بطوله وأنا أفكر حتى أقشع الفجر بنوره فجاء جندي وصوته يرتفع في المكان ، حيث كان يطلب مني الخروج للتحقيق وفتح باب الزنزانة وسحبني بقوة خارجها ثم سلك بي على سلم ضيق فلإرهاقي وعدم نومي أثناء الليل أصبت بالدوار وأمسكت بسلالم الدرج فأمسك بشعري وأخذ يجرني بطريقة بشعة وأنا أصرخ عليه بقوة وأطلب منه أن يتركني ولكن لم يستجيب لي حتى وصلنا لغرفة التحقيق التي كانت تحت الأرض وفي مكان مظلم حيث كان هناك طاولة وثلاثة كراسي كرسي يجلس عليه المحقق الملقب بأبو سالم وبجواره على الكرسي الأخر مجندة وأنا على الكرسي المقابل ، فطلب المحقق أبو سالم من الجندي أن يتركني وطلب منه أن يذهب من المكان فقال على الفور بما معناه باللغة العربية أن ذلك الجندي كان عصبي المزاج وأنه سوف يأمر بمعاقبته لأنه أذاني وكان ذلك مجرد أسلوب لمحاولة اعترافي فقلت له على الفور كل ذلك لا يهمني وماذا تريد مني الآن قال لي سأتركك ترجعين لزوجك بعد ساعات إذا اعترفتي بما لديك من معلومات فقلت له أنني لا أعرف شيئاً عن أحداً وأنني كنت لا أخرج من البيت ولم أشراك بأي نشاطات وكل ما يقال عني إنما هو افتراء ، ولكنه غضب لذلك وبدأ يشتمني بكلام سيء وبذيء للغاية ، ثم ثال سأجعلك تعترفين بالقوة فطلب مني أن أقف وأمسك الكرسي الذي كنت أجلس عليه بيد واحده وأرفع قدمي الأيمن وفعلت وبقيت كذلك لمدة 20 دقيقة على هذا الحال وهو يشتمني وكلما تعبت يدي من حمل الكرسي أخفضتها قليلاً فيركلني بقدمي في أي مكان في جسمي ، فيكرر أسئلة علي ولم أجب عليه بشيء فأمسك رأسي وضربه بالطاولة التي كان يجلس عليها ، وما زلت لم أعترف فأخذ يركلني بقدميه ويديه في كل مكان من جسمي وبكل قوة ، شعرت وقتها من شدة الضرب والتعذيب بالإرهاق وأن جسمي لم يعد يتحمل فقلت له على الفور: أنني أحمل طفلاً في أحشائي وأنك أنت المسئول عم سيحصل لي ظناً مني أنه سيرحمني قليلاً فلم أكن أعلم أنه سيثور كالأسد الكاسر فقال لي: ” يا ساقطة من أين لك الحمل وأنتي لم تتزوجي إلا منذ شهر” فقلت له أنني أشرف منكم جميعاً وأن الله سيوهبني طفلاً كي يحمل معي هم الوطن والقضية ، فما كان منه إلا أن ركلني في بطني عدة ركلات شعرت أثناء ذلك بالدوار ، فمن شدة الضرب أنهلت على الأرض وأصبح مكاني ملطخ بالدماء وعند ذلك تجمعت المجندات المحققات الغرف المجاورة وقالت أحداهن أنني أنزف بقوة، ثم نقلوني ألي المستشفى ولصعوبة حالتي الصحية تم تحويلي إلي مستشفى أخرى في المجدل وهناك تمت عملية إجهاض للجنين الذي كتب له أن لا يرى النور بفعل مجرمي الحرب ، الذين ما زالوا يرتكبون بحق شعبنا أبشع الجرائم والاغتيالات على مستوى العالم بأكمله ، كنت ممدة على السرير دون حراك من شدة التعب والمرض والتعذيب الذي تعرضت له ومع ذلك أبت سلطات الاحتلال فك قيدي وسلاسلي ، فرغم عنائي وشدة مرضي وعدم قدرتي على المشي ولو لخطوة إلا أنهم أبقوني مقيدة اليدين والقدمين في السرير فعند تناول الطعام الذي لم يكن صحياً أيضاً تفك يدي لدقائق ثم يقيدوني مرة أخرى وكذلك أثناء ذهاب للحمام كانت مجندة ترافقني أثناء دخولي الحمام ثم تقيدني مرة أخرى ، وكانت كثيراً ما تتفوه بالكلام السيء والمعيب فصبرت لذلك رغم حزني الشديد لفقدان جنيني الذي كان بمثابة الأمل بالنسبة لي فكم جميل الإحساس بمشاعر الأمومة الذي حرمت منه بفعل إجرام المجرمين وحقد الحاقدين وبقيت فترة العلاج وأنا على نفس المعاملة ، ثم بعد ذلك انتهت فترة العلاج ورجعت للسجن مرة أخرى ووضعت بالزنزانة الانفرادية ، فجسمي ما زال منهك وقواي بدأت تضعف ورغم ذلك استمر التحقيق والتعذيب فلا تمر ساعتين دون تحقيق يطلب مني الاعتراف وأنا أصر على عدم اعترافي فيتم ضربي بطريقة وحشية وبشعة ، وقد قاموا بسحبي من شعري من الزنزانة حتى غرفة التحقيق ويتم اذلالي واستفزازي وضربي بقوة ، فكثيراً ما كنت أشعر بالدوار واليأس ولكن كأن شيئاً ما يصبرني على ذلك ، كنت أتذكر والدي وزوجي أبكي قليلاً ولكنني سرعان ما أتماسك وقد هددت باعتقال زوجي فلم أبالي فالوطن همي الأكبر ، وبعد أيام عديدة تم أحضار زوجي وقاموا بتعذيبه أمامي وعند مشاهدتي لزوجي وهو يعذب لم أتمالك نفسي حيث كان الموقف صعب جداً علي خاصة وأنني ما زلت مريضة وأنني فقدت طفلي والحزن واليأس مسيطر على عقلي ، فضغطت على نفسي وتجاوزت هذه اللحظات الصعبة والتي لا يمكن أن أنساها يوماً ، وبعد تعذيب زوجي وعدم اعترافي قرروا إحضار أحدى الزميلات التي كانت معترفة علي بعد التعذيب الشديد الذي تعرضت له وذكرت في التحقيق معها أنني كنت أشاركها في نقل السلاح وغيرها من النشاطات التي تطلب من كلانا حتى أنها ذكرت أسماء الفدائيين الذين كنا نتعامل معهم ونساعدهم وهم ما زالوا خارج السجن ، فكان ذلك صدمة بالنسبة لي فما أن أنكرت ذلك حتى جاء محقق أخر أسمه أبو يونس كان طويل القامة حاد النظرات ويداه كبيرتان كما رأسه الفارغ من أي مشاعر الإنسانية فأخذ يضربني بقوة فلم يعد بوسعي الاحتمال أكثر من ذلك فاعترفت ببعض المعلومات خوفاً على زوجي الذي أطلق سراحه مقابل اعترافي وبذلك الاعتراف تم الحكم علي بالسجن لمدة ثلاثة أعوام ، فبعد الاعتراف تم نقلي مباشرة إلي السجن مع باقي الزميلات التي سرعان ما قمن بمعالجتي بأبسط الأشياء ، فأحداهن تمسح على رأسي والأخرى تمسح على جرحي والثالثة تواسيني بفقداني جنيني ، فرغم ألمي الشديد شعرت بالراحة قليلاً لأنني أصبحت بينهن ، وقضيت معهن باقي محكوميتي وأخذت اعتاد على المكان وأشارك زميلاتي حزنهن وفرحهن ونخفف عن أنفسنا بالعمل في التطريز والنحت على الحائط وترديد الأناشيد الوطنية والشعبية ، فتارة نبكي على فراق الأهل والأحباب وتارة نبكي على هم الوطن الذي أصبح هم الجميع وأنا كنت كثيراً ما أتذكر زوجي الذي لم أمضي في بيته سوى أسابيع وأتذكر أهلي ووالدي الذي استشهد مسموماً كل ذلك كان يثير بقلبي حزناً شديداً، وكنت أحمل هماً كبيراً وهو أهل زوجي أنهم كيف سينظرون إلي فيما بعد خاصة وأن زوجي تعذب من أجلي وهل سيقبلونني عند خروجي من السجن وهل سيصبر زوجي على فراقي لمدة ثلاث سنوات دون زواج من أخرى خاصة وأنني لم أمضي معه وقتاً طويلاً وبقيت أفكر في تلك الأمور طوال الوقت …فلم أنم الليل بأمان واطمئنان وكنت قلقة جداً لذلك خاصة وأنه لم يتم زيارتي بعد وما هي إلا أيام و يأذن لي بالزيارة ففرحت جداً لهذا الخبر خاصة وأنني سأطمئن من خلال الزيارة على زوجي وأهلي ، فبقيت طوال الليل وأنا أفكر من سيزورني غداً وهل سيأتي زوجي وماذا فعل من بعدي ؟ وجاء الصباح وتأتي المجندة وتنادي الأسماء للزيارة ، صعدنا بعدها للسلم الضيق وقلبي يخفق من الفرح لأنني سأرى من أحب ثم نقلتني المجندة للمكان المخصص للزيارة ومن وراء الأسلاك الشائكة ، بدأت أحدق النظر بقوة لعله يكون زوجي وبالفعل كان زوجي هو من سيزورني فلم أتمالك نفسي من الفرحة فأجهشت بالبكاء الشديد ، فقال لي على الفور ( ليش بتبكي يا آمال أنت إنسانة قوية وأبقي كما عاهدتك صابرة مؤمنة بقضيتك ولا يهمك شيء أنني معك وسأنتظرك لو العمر كله وأنني أحبك كثيراً وسآتي لزيارتك في كل مرة ولن أنساكي أبداً) فشعرت وقتها بالثقة والقوة وشكرته على موقفه النبيل وتمسكه بي ، وسألته عن أهلي وأهله وأبلغني أن الجميع بخير والكل مشتاق لرؤيتي وتحدثت معه حتى انتهى وقت الزيارة فذهب كلاً منا من حيث آتى ، رجعت للسجن وقلبي يخفق فرحاً وسعادة وشعرت بأن صحتي تحسنت وخاصة أنني اطمأننت على الجميع ، وبدأت من وقتها أكن لزوجي كل المشاعر الجميلة والحب العميق وتوالت الزيارات وزوجي متمسك بي رغم محاولات والدته العديدة بطلب الزواج له إلا أنه رفض ذلك وبقوة وقال لها أن زوجتي بسجنها تدافع عن كرامة هذا الوطن وعن عدالة قضيتها ولا يمكنني أن أجازيها بالزواج من أخرى وهذا كل ما لدي في هذا الموضوع وطلب منها عدم فتح ذلك الموضوع مرة أخرى ، وبقى يزورني بالتناوب مع أهلي حتى انتهاء فترة محكوميتي فكان الداعم الأساسي بالنسبة لي ، فزادني قوة وإيمان في سجني وجعلني أتحمل كل ما يفعل بي من عذاب وشتم وسب وإهانات ، فصورة زوجي لم تفارقني يوماً وأصبحت الأيام والأحداث تتوالى وأنا انتظر متى سيقترب موعد الإفراج ، فمضيت مع زميلاتي في الغرفة الأوقات المتبقية حيث كنا نتحدث مع بعض عن أهلنا وحارتنا وأيام النضال وكل واحدة منا تفزع للأخرى حتى تخفف عن همها وتبث حزنها لعل ذلك يشعرها بالراحة ولو قليلاً حيث كانت معاملة السجانين لنا وحشية وقاسية ولولا تكاثفنا وصمودنا ووحدتنا داخل السجن لتعرضن الأسيرات لوضع نفسي صعب جداً ولكن بفضل الله وحمده كان الاتفاق والمحبة والتعاون سائد بين الأسيرات ، فكان حب الوطن والتضحية شعار كل الأسيرات وبقينا متكثفات أمام التحديات الصعبة التي كانت تواجهنا في السجن من معاملات صعبة وقلة الطعام الغير صحي وعدم وجود الغطاء الكافي في الشتاء القارص وانتشار الحشرات في غرفة السجن المكتظة بالسجينات ، كل ذلك كان يهون أمام التعاون والتكاثف فيما بين الأسيرات ومع مرور الوقت جاء يوم الإفراج حيث كنت جالسة مع زميلاتي في الغرفة فجاءت إحدى المجندات ونادتني ، وكان ذلك الوقت بعد منتصف الليل ، أي بعد الساعة الثانية عشر ليلاً وقالت لي :( آمال أنتي الآن شخرور) فرحت كثيراً رغم أن الوقت كان متأخراً ولا أعلم كيف سأصل إلي البيت .. طلبت مني الشاويشة اللحاق بها إلي غرفة تبديل الملابس وبالفعل استبدلت ملابسي كان زوجي قد أرسلها لي فترة اعتقالي ، ثم توجهت مع الشاويشة وعدد من الجنود إلي ساحة السجن ومن ثم إلي بوابة السجن الرئيسية …. وأطلق سراحي فأسرعت وقبلت تراب الأرض الطاهرة التي اشتقت له كثيراً وتوجهت بعدها إلي أول الطريق أنتظر سيارة تنقلني إلي مكان سكني ، فبقيت انتظر قليلاً فجاءت سيارة أجرة وأشرت لها بيدي فوقف السائق سيارته وسألني عن سبب وقوفي في هذا الوقت وفي هذا المكان فقلت له أنني حررت من السجن قبل دقائق وأنني أريد الذهاب لبيتي وأن أهلي لا يعلمون بإطلاق سراحي ، فعلى الفور وبكل شهامة ورجولة وافق على توصيلي لمنزل أهلي بعد مباركته لي بالتحرير من قيدي وتوجه بي إلي مكان سكني فقلت له أثناء الطريق ” أنني لا أملك المال

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.